ويمتاز الإنسان من بين سائر الصور الوجوديّة بعدّة أمور، منها أنّ لكلّ ما عداه غذاء خاصّا من حيث مرتبة خاصّة على وجه خاصّ لا يتعدّاه ولا يتأتّى له التغذّي بسواه، والإنسان بجمعيّته وإطلاقه يتغذّى بجميع أنواع الأغذية، هذا له من حيث صورته، وغذاؤه من حيث معناه وباطنه قبوله جميع أحكام الحقائق وآثار الأسماء والنسب، وظهوره بها، وإظهاره كلّها والاتّصاف بجميعها.
واعلم، أنّ الغذاء - على اختلاف ضروبه وأنواعه - مظهر صفة البقاء، وهو من سدنة الاسم"القيّوم"ولا يتغذّى شيء بمنافيه من الوجه المنافي، والمراد من التغذّي حبّ دوام ظهور الاسم"الظاهر"وأحكامه.
وسرّ التفصيل فِي عين الجمع بتجلّي الاسم النوري الذي هو الوجود والتنزّه عنه إشارة إلى عود التجليات عند انسلاخها من ملابس أحكام المتجلّى له، وانتهاء حكمها فيه إلى معدنها الذي هو الغيب الذاتي والمرتبة المشار إليها
بقوله:"كنت كنزا مخفيّا لم أعرف"
الحديث، ومقام:
"كان اللّه ولا شيء معه"
و"اللّه غنيّ عن العالمين"ونحو ذلك، وقد سبق فِي ذلك تنبيهات كافية.
فمتى كاد الاسم"الظاهر"أن يميل من مقام اعتداله ميلا يوجب انصباغ الباطن بحكمه لكونه صاحب الوقت والغاية، أظهر الاسم"الباطن"قوّته وغناه الذاتيّ.
ومتى بالغ"الباطن"فِي ترجيح مرتبة بنسبة غناه ونزاهته، أظهر"الظاهر"سرّ توقّف
معرفته عليه، وكون الظاهر مطلوبا للباطن والظاهر مستغن، فلا تزال المجاذبة والمقارعة واقعة بين المرتبتين.