الرب سبحانه وما يشاءُ بعد ذلك، وأَيضاً قوله"وملءُ ما شئت من شيء بعد"يقتضى إِثبات مشيئة تتعلق بشيء بعد ذلك، وعلى الوجه الثاني قد تتعلق المشيئة بملء المقدر، وقد لا تتعلق وأَيضاً فإِذا قيل:"ما شئت من شيء بعد ذلك"كان الحمد مالئاً لما هو موجود يشاؤه الرب دائماً، ولا ريب أَن له الحمد دائماً فِي الأُولى والآخرة، وأَما إِذا قدر ما يملأه الحمد وهو غير موجود فالمقدرات لا حد لها، وما من شيء منها إِلا يمكن تقدير شيء بعده وتقدير ما لا نهاية له كتقدير الأَعداد، ولو أُريد هذا المعنى لم
يحتج إلى تعليقه بالمشيئة، بل قيل:"ملء ما لا يتناهى"فأَما ما يشاؤه الرب [تعالى] فلا يكون إِلا موجوداً مقدراً، وإِن كان لا آخر لنوع الحوادث أَو بقاءِ ما يبقى منها فهذا كله مما يشاؤه بعد وأَيضاً فالحمد هو الإِخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وإما ظاهرة فِي مخلوقاته، فأَما المعدوم المحض الذي لم يخلق ولا خلق قط فذاك ليس فيه محاسن ولا غيرها، فلا محامد فيه البتة فالحمد لله [الذي] يملأُ المخلوقات ما وجد منها ويوجد هو حمد يتضمن الثناءَ عليه بكماله القائم بذاته والمحاسن الظاهرة فِي مخلوقاته، وأما ما لا وجود له فلا محامد منه ولا مذام، فجعل الحمد مالئاً له لما لا حقيقة له.