الشكر، وبالغ فِي ذلك حتى جعل موارده واقعة فِي مقابلة النعماء ملكا لأصحابها،
مستفادا منها، كأنه قال: يدي ولساني وقلبي لكم، فليس فِي القلب إلا نصيحتكم
ومحبتكم، ولا فِي اللسان إلا ثناؤكم ومحمدتكم، ولا فِي اليد والجوارح إلا
مكافأتكم وخدمتكم.
وفي وصف الضمير بالمحجب إشارة إلى أنهم ملكوا ظاهره وباطنه. انتهى.
وقال الشيخ أكمل الدين: معنى قوله:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة... ... ... ... ... البيت
النعم التي أنعمتم بها عليّ أفادتكم يدي، أعينكم بها، ولساني أثني عليكم به،
وقلبي أشغله فِي محبتكم.
وهذا كما ترى ليس فيه سوى أن النعم المنعم بها على المثني أورثت اشتغال
هذه الأعضاء بما ينفع المنعم، وأما أن الشكر شيء تكون هذه الأشياء شعبا له
فليس فيه دلالة على ذلك، وهو واضح، فما ذكره العلماء قاطبة فِي معرض
بيان أن الشكر هذه الأشياء، وأن الحمد بعضه مستشهدين به ليس بمستند إلى
أصل.
ويمكن أن يقال: إن ثبت عند العلماء أن مقابلة النعمة باللسان وحده هو
الحمد فمقابلتها بالأعضاء الثلاثة لا تكون الحمد، وإلا كان الشيء مع غيره
كالشيء ، لا مع غيره، وهو محال، فلا بد وأن يكون شيئا آخر، وليس فِي هذا
الباب بالاستقراء ما يدل على هذا المعنى إلا المدح والشكر، وقد تقدم أن المدح
يؤاخي الحمد فِي المساواة فِي المفهوم، فلم يبق إلا الشكر.
ويمكن أن يقال: الجزاء من جنس العمل، فإذا كانت النعمة الواصلة إلى
المثني صادرة عن لسان المنعم تقابل باللسان، وهو الحمد، وإذا كانت صادرة عن
يده بكف شره أو شر غيره تقابل بمثلها، وإذا كانت صادرة عن قلبه كذلك،
وتسمى مكافأة، لا حمدا ولا شكراً.
وأما إذا كانت صادرة عن الأعضاء الثلاثة فتقابل بمثلها، وتسمى شكرا، من
شكرت الناقة إذا غزر درها، فظهر أن فِي كل شكر حمدا، ولا ينعكس. انتهى.
قوله: (ولما كان الحمد من شعب الشكر) .