أحبَّتي الكرام، أول سورة حبانا الله بها في المصحف هي سورة الفاتحة، وترتيب سور القرآن بهذا الترتيب المصحفي هو من عند الله، فالله هو الذي أوحى بترتيب هذا المصحف بهذه الطريقة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه هذا الترتيب، وإذا قرأ به في الصلاة قرأ بهذا الترتيب، وحينما كان يراجعه جبريل في العشر الأواخر من رمضان من كل عام ما نزل عليه من القرآن، كان يقرأ على شيخه جبريل، ويسمع عليه بهذا الترتيب، وهو الترتيب الذي رتب به الله سور القرآن في اللوح المحفوظ، اعلموا هذا جيدًا، وإن كانت هناك آراء أخرى، فإن هذا هو الرأي الذي رجح عند العلماء وتؤيده الأدلة والبراهين.
تقرؤون في الكتب"أن ترتيب سور القرآن توقيفي وليس اجتهاديًّا" [2] ؛ يعني: أوقفنا الله على هذا الترتيب، فليس لنا أن نتقدم أو نتأخر باجتهاد آخر، هذا هو الرأي الصحيح.
فأول السور في المصحف سورة الفاتحة، والله تعالى سماها سورة الفاتحة، وقيل عنها: (فاتحة الكتاب) ، وتسمى عند جمهور العلماء أيضًا بـ (أم القرآن) ، و (أم الكتاب) ، وتسمى بـ (السبع المثاني) [3] ، ومعنى المثاني؛ أي: التي تقرأ كثيرًا، فهي أكثر سورة تقرأ في الناس، فإنها تقرأ في كل ركعة من ركعات الصلاة؛ فانظر كم ركعة تركعها كل يوم من فريضة أو سنة أو نافلة، وبعددها قد قرأت سورة الفاتحة، لم تقرأ غيرها بهذا القدر عادةً، فتسمى السبع؛ أي: السبع آيات، والمثاني؛ يعني: يثنى هذا القدر من الآيات بالقراءة؛ يعني: يطوى، نطويها بالقراءة مرارًا وتكرارًا كل يوم.
وتسمى بـ (الرقية) وبـ (الشفاء) [4] ؛ ذلك أن صحابيًّا جليلًا - كما ورد في الحديث الصحيح - رقى بها لديغ عقرب - رجل كانت قد لدغته عقرب - فرقاه هذا الصحابي بسورة الفاتحة اجتهادًا من عنده، فشفاه الله تعالى وقام ونشط كأنما نشط من عقال؛ يعني: كأنما فك من عقال؛ أي: من رباط، كما لو أنه كان مربوطًا برباط وفك منه، فقام نشيطًا بحمد الله، بسبب قراءة سورة الفاتحة [5] .
وظل الإمام ابن تيمية رحمه الله أربعين عامًا لا يعالج نفسه، ولا يُمرض نفسه إلا بسورة الفاتحة [6] ، وتكفيه، والحمد لله.