ويعضد السياق النفسي السياق الثقافي في إنتاج الدلالة النفسية بما يتيحه من فرصة التأمل والتأثر بانفعال المعنى، فضلا عن منطقه، فإن منطقة المعنى في اللفظة ـ أية لفظة ـ لا تخلو من بعدين: البعد المنطقي الثابت، والبعد الإشاري أو التأملي الحر؛ ذلك أنَّ العناصر العاطفية والانفعالية لا يخلو منها ـ بنسبة ما ـ النظام اللغوي، فإن (( الإنسان لا يستخدم اللغة للتعبير عن شيء، بل للتعبير عن نفسه أيضاً ) )، مما يقود إلى متابعة الألفاظ متابعة (باطنية) عميقة تتجاوز حدود الخبرة الفردية إلى حركة الوجود الجوهرية وأبعاد الإنسانية والمجتمع على نحو رمزي تجريدي.
ويشي هذا السياق المعنى بالإشارية ومزيد من التخيل الذي يجتلب الإدهاش وعنصر الغرابة، فإن الدلالة النفسية تضيف إلى اللغة جانبا مهما وفاعلا من جوانب فاعليتها وأثرها، وتُظهر من جهة أخرى مكمنا من مكامن عبقرية اللغة وحسن سياسة المعنى فيها، وهذا ليس يخلو منه القرآن الكريم فهو مشحون ببنائه اللغوي بأجواء من الانفعالات وآفاق من التأمل عجيب.
فقد حوى من الألفاظ ما تشع دلالته على الأنفس والآفاق، فكثير منها لا تنقضي دلالته بمجرد الكلام على ظاهر المعنى، فيجد طالبه نفسه مدفوعا إلى ملاحقة المعنى إلى باطن اللفظ وعميق أحشائه، فيكون هاجس المعنى هاجسا (سحريا) بعد أن كان ذهنيا لا يجعل صاحبه يقنع بما يمسكه من أطرافه، بل يحضه على جوهره سالكا في ذلك مسلكا عرفانيا؛ فينشأ (( موقف نفسي وفكري ... لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير ) ).