فبعد أن تمظهرت الحقائق اللغوية على مستوى الصوت والبناء والدلالة، آن لها أن تكتسب مقدرتها على القيام بوظائف التوصيل من خلال الإطار الثقافي والاجتماعي، فجاءت الحاجة الفضلى إلى دراسة المعنى على ضوء من العلاقة بين الحقيقة اللغوية والثقافة والفكر بأوسع مفهوميهما.
و إذا كان مفهوم الثقافة يعني (( مجموعة من العناصر التي تتعلق بطرق التفكير والشعور والسلوك، وهذه الطرق سيقت في قواعد واضحة نوعا ما، وتستخدم ... استخداما موضوعيا ورمزيا من اجل تكوين وعي هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصة ومميزة ) )، فهي أيضاً معرفة مكتسبة اكتسابا اجتماعيا،
يتوصل بها الفرد إلى فهم سلوك الجماعة، فتكون بازاء وعي جماعي، ووعي فردي، ما هو إلاَّ تطبيق عملي لوعي الجماعة وقانون الثقافة.
من هنا تقود الثقافة بعنصريها (وعي الجماعة ووعي الفرد) إلى صياغة المعنى وتشكيله على نحو يميل إلى التجريد والتوسع ليشمل آفاق هذا الوعي الواسع، فهنالك (( امور خفية، ومعان روحانية، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها، وتحدث له علما بها، حتى يكون مهيئاً لإدراكها، وتكون فيه طبيعة قابلة لها، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساساً ) )، وهذا يقود في أغلب الأحايين إلى عدم النظر إلى المعنى من ناحيته الواقعية والموضوعية، بقدر ما يمثله هو من بعد ذاتي أو رمزي.