فإن الخطاب القرآني نضَّاخ بالمعرفة والحياة، وأسرار الوجود، ومستجمع ذلكم كله خطاب لغوي معجز أخَّاذ بطريقة الأداء واشراقاتها الروحية، وفيضها الجمالي، ومستجمع هذا أيضا تجليات المعنى وفنون البيان؛ ذلك أنَّ القرآن العزيز أتى على العربية فأحياها مرتين، أحياها من حيث (أمات) قدرة المعارضة و (التحدي) ، فجاء خطابا خلاقا مستنفدا إمكانات هذه اللغة كلها، وهذه آية إحيائها الكبرى؛ إذ يتنقَّل بالمتلقي من المعرفة الذوقية التأثيرية إلى المعرفة العقلية، فيكون القول بالإعجاز والتفرد. ويكون هذا قولين: قولا ذوقيا، وقولا عقليا، وكلاهما يؤدي إلى الآخر ويحفز إليه.
ولما كان القرآن الكريم يستعمل اللغة استعمالا جماليا فنيا، ولما كانت الألفاظ سُدى التعبير ونسيجه ولونه؛ تعامل معها القرآن الكريم تعامل المستهلك المنتج فاستهلك طاقاتها الدلالية كلها بأن نجم عن خبايا فيوضاتها وتجلياتها الفنية، فانتهى إلى مدارج كمالها الدلالي؛ وبذا يكون قد أنتجها. فجاءت ألفاظه مشدودة دوما إلى حفز دلالي يتناسل، وهذا التناسل الدلالي مظهر أبرز من مظاهر التأثيرية والفن وبعث الجمال في آفاق الخطاب الإلهي الإيماني المعجز.
تأتي إذاً الألفاظ في السياق القرآني محفورة وقد ملئت دلالة، و إشارة؛ فليس للمتأمل فيها أن يقف عند حدود الأبعاد المادية (العرفية) لهذه الألفاظ؛ فالقرآن المجيد لما استعملها لم يكن ليقف عند تلك الدلالة، فجاء حريصا قاصدا إلى الإشباع الدلالي لهذه الألفاظ من الصوت، والمعنى الأساس إلى الإشارة، والرمز، فالمعنى العاطفي والإيحائي؛ فجاءت لذلك (( الدلالة النفسية للألفاظ في القرآن الكريم ) )محاولة لتلمس الدلالة القرآنية بأبعادها العرفية العامة، وأبعادها الذوقية الذاتية، وما يفرزه السياق من فائض في المعنى، أو تضخم في دلالة هذه اللفظة أو تلك محمود.