بأنه مدفوع بإبراز دليل قاطع يدل عَلَى خلافه لَيسَ بشيء فإنه مشترك الورود وهنا يمكن الْقَوْل
بذلك انتهى. وفيه بحث. أما أولًا فلأن هذا يؤدي إلَى مفسدة عظيمة لأن أحدًا من أهل الإلحاد
إذا ادعى تواترًا عَلَى مذهبه الباطل ونقل ذلك التواتر عن إمامه فبماذا يجيب أهل الحق عنه
وبأي شيء يتوسل إلَى إلزامه ومثل هذا لا يَنْبَغي أن يخطر بالبال فضلًا عن أن يعتبر عنه
بالمقال وإما ثانيًا فلأنه يبعد عن الإمام الشَّافعي السكوت عن بيان ذلك التواتر لا سيما إذا
كان قصده رد المخالفين بإبراز الدلائل وإما ثالثًا فلأنه يبعد كل العبد التفرد بذلك التواتر مع
توفر الناقلين والمنقول إليهم وفرط هممهم تتبع الأخبار والآثار في الحصر والأسفار وقوله
ورب متواتر عند قوم دون آخرين إن أراد به في أمور الدين وبيان الحق المبين لا نسلم ذلك
بل هذا أول المسألة فليبين واحدًا من ذلك فمحال أن يفوز بما هنالك وإن أراد في أمر من
أمور الدُّنْيَا فلأنه لو سلم ذلك فلا يضرنا ثم قَالَ إن الْجَوَاب الصواب من جانب المصنف هو
أنه لا يقدح مخالفة مالك في ثبوت هذا التواتر لما عرفت من أنه يمكن أن يكون شيء متواترًا
عند قوم دون آخرين والشاهد لذلك حال القراآت السبع فإن كل واحدة منها متواترة عند
صاحبها دون الآخر انتهى. هذا غير مطلوب البيان فإنه لو كان كَذَلكَ لا يكفر منكر من اختار
إحدى القراآت السبع دون ما عداها وعدم جواز الصلاة بغير ما اختاره ولو سلم ذلك فلا
يصح هنا؛ إذ الإمام مالك يدعي التواتر عَلَى عدم قرآنيتها كما سيجيء الإشَارَة إليه يلزم التواتر
على المتناقضين مع أن القواطع لا يصح حملها عَلَى الْمَعَاني المتناقضة فضلًا عن القواطع
الدَّالَّة عَلَى الْمَعَاني المتناقضة، إلا أن يقال إن مالكًا لا يدعي التواتر عَلَى عدم قرآنيتها بل
يدعي عدم التواتر في قرآنيتها فالصواب أن كل واحدة من تلك القراآت السبعة متواترة عند
كل قارئ من القراء السبعة لكن كل واحد اختاروا واحدة منها لكونها عَلَى لغته ويدل عليه
قوله: عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (إن هذا الْقُرْآن أنزل عَلَى سبعة أحرف) وقال ولده المحقق التاج
في بعض فتاواه القراآت التي اقتصر عليها الشاطبي والثلاثة التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة
يَعْقُوب وقراءة خلف متواترة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل عَلَى رسول الله صلى الله
تَعَالَى عليه وسلم لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل وليس تواتر شيء منها مقصورًا عَلَى
من قرأها بالروايات بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد أن لَا إلَهَ إلَّا الله وأشهد أن
مُحَمَّدًا عبده ورسوله ولو كان مع ذلك عاميًا جلفًا لا يحفظ من الْقُرْآن حرفًا قال ولهذا تقرير
طويل وبرهان عريض لا تسعه هذه الورقة وحظ كل مسلم وحقه أن يدين اللَّه وتجزم نفسه بأن
ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلَى شيء منه انتهى. كذا في
الاتحاف في القراآت الأربعة عشر وقال الإمام عبد الوهاب السبكي قراءة العشرة متواترة