قال: وقد استؤنس للمعية والمصاحبة بقوله صلى الله عليه وسلّم:"بسم الله"
الذي لا يضر مع اسمه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء وهو السميع العليم""
وفيه نظر ، إذ المراد الخبر عن أنه لا يضرّ مع ذكر اسم الله شيء مخلوق.
ويقال - على هذا الوجه -: المصاحبة تستدعي أمرا حاصلا عندها ، نحو جاءكم
الرسول بالحق ، أي مع الحق ، والقراءة لم تحصل حينئذ فتعذرت حقيقهّ المصاحبة
فيما نحن فيه.
قال: فإن قيل: فإذا كان كل من الوجهين عندك مخدوشا فهل من ثالث ،
قلت: جوّز بعضهم أن تكون باء الإلصاق ، ويقال عليه: معنى الإلصاق يقع
على وجهين:
أحدهما: أن لا يصل الفعل إلى المفعول إلا به كمررت بزيد ، وهذا لا يتأتى
هاهنا ، لأن الفعل يتوصل إليه هنا بنفسه تقول: أقرأ كذا.
والثاني: ما دخل على المفعول المنتصب بفعله ليفيد المباشرة ، نحو أمسكت
بزيد ، وهذا لا يتأتى هنا أيضاً.
فإن قيل: فإذا كان كل من الأوجه الثلاثة عندك مخدوشا فهل من رابع ،
قلت: فِي فكري وجه رابع ، وعندي فيه وقفة سأبينها: وهو أن الباء هنا بمعنى
"على"ويشهد له قوله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) سورة الأنعام 119]
(ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) سورة الأنعام 122](فاذكروا اسم الله
عليها صوافّ)سورة الحج 37] والمعنى على اسم الله أقرأ.
فإن قيل: إنما قال"على"فِي المواضع المذكورة من أجل فعل الذكر.
قلنا: فعل الذكر يتعدى إلى مفعوله الثاني مرة بعلى ، ومرة باللام نحو ذكرته
لزيد ، فلما عداه بـ"على"عرف أن المراد أن يكون الذبح على اسم الله تعالى ، بأن
يقول: بسم الله ، أي على اسم الله أذبح.
قال: فإن قيل: نقلتنا من حرف جر إلى حرف جر يحتاج أن يفسر معناه.
قلنا: ذهب بعض النحاة إلى أن"على"اسم ، وليس بحرف ، ولئن قلنا: إنها حرف
كما هو المشهور فالمعنى على اسم الله أقرأ ، وهذا من الاستعلاء الدالّ على التمكن