وأما الترجيح بأن جعل فِي الأوّل الموجود كالمعدوم - وهو تكلّف - فليس
على ما ينبغي ، لأن مثل ذلك يعد من المحسنات.
وقال الشريف: أما كونه أعرب ، أي أدخل فِي لغة العرب وأفصح وأبين فلأن
باء المصاحبة والملابسة أكثر استعمالا من باء الاستعانة ، لا سيما فِي المعاني وما
يجري مجراها من الأقوال.
وأما كونه أحسن ، أي أوفق لمقتضى المقام فلوجوه:
أحدها: أن التبرك باسم الله تعالى تادب معه وتعظيم له ، بخلاف جعله آلة
فإنها غير مفيدة له ، وغير مقصودة بذاتها.
الثاني: أن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك بها ، فينبغي
أن يرد عليهم فِي ذلك .
الثالث: أن الباء إذا حملت على المصاحبة والمعية كانت أدلّ على ملابسة
جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا حملت على الآلة.
الرابع: أن التبرك باسم الله تعالى معنى مكشوف يفهمه كل أحد ممن يبتدئ
في أموره ، والتأويل المذكور فِي كونه آلة لا يهتدى إليه إلا بنظر دقيق.
الخامس: أن كون اسم الله آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يتوسل إليه ببركته ،
فقد رجع بالآخرة إلى التبرك ، وليس فِي اعتباره زيادة معنى يعتد به.
وقد يقال: جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل فِي الفعل ، ويشتمل على جعل
الموجود - لفوات كماله - بمنزلة المعدوم ، ومثله يعد من محسنات الكلام.
وقال شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي: معنى الباء هاهنا المصاحبة والملابسة كما فِي قوله (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)
ويجوز أن تكون للاستعانة كالباء فِي كتبت بالقلم ، فالأوّل يناسب الدراية ،
والثاني يناسب الرواية ، لكن الأوّل لما كان أظهر رجح على الثاني.
وقال البلقيني فِي"الكشاف": قول"الكشاف"فِي المعنى الأوّل:"جعله"
مفعولا بسم الله كما يفعل الكتب بالقلم"يقال عليه: القراءة حاصلة وإن لم يسم ،"
وأما الكتابة فلا تحصل إلا بالقلم فأين التسوية.