والوجه الثاني: (لام) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان
انقلابها عن الياء بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام.
وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة.
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار: سألت أبا العباس لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير:
أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا
فأنكر عليه بعض الناس، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:
أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا
فقال: إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون"الرحمن"في الجاهلية،
الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة، وذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ لقنه من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت وزيد بن عمرو، وورقة بن نوفل، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى بعده بالرحيم
الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم.
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان. قال الليث: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اسمان، اشتقاقهما من الرحمة.
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة. وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: {وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 60] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ} ، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا