الوجه الثاني: أن يقال: إن الله تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح العبد ، أو لا يكون .
فإن كان الحق هو الأول ، فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد أو لا يتوقع .
فإن توقع منه إفساد العبد ، مع أن الله تعالى يريد إصلاح العبد ، فلم خلقه ، ولم
سلطه على العبد ؟ وإن كان لا يتوقع من الشيطان إفساد العبد ، فأي حاجة [للعبد] إلى
الاستعاذة منه ؟
وأما إذا قيل: إن الله قد لا يريد ما هو صلاح حال العبد ، فالاستعاذة بالله كيف تفيد
الاعتصام من شر الشيطان ؟
الوجه الثالث: أن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر ، أو أن يكون قادرا على
فعل الخير والشر ، وعلى فعل أحدهما .
فإن كان الأول ، فقد أجبره الله على الشر ؛ وذلك يقدح فِي قولهم: إنه - تعالى - لا
يريد إلا الصلاح والخير ، وإن كان الثاني ، وهو أنه قادر على فعل الشر والخير ؛ فها هنا
يمتنع أن يترجح فعل الخير على فعل الشر إلا بمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله
تعالى ، وإذا كان ذلك ، فأي فائدة فِي الاستعاذة ؟
الوجه الرابع: هب أن البشر إنما وقعوا فِي المعاصي بسبب وسوسة الشيطان ، فإن
الشيطان كيف وقع فِي المعاصي ؟
فإن قلنا: إنه وقع فيها بسبب وسوسة شيطان آخر ، لزم التسلسل .
وإن قلنا: وقع الشيطان فِي المعاصي لا لأجل شيطان آخر ، فلم لا يجوز مثله في
البشر ؟
وعلى هذا التقدير لا فائدة للاستعاذة من الشيطان ، وإن قلنا: إنه - تعالى - سلطه
الشيطان على البشر ، ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر ، فهذا أحيف على البشر ،
وتخصيص له بمزيد التثقيل ، والإضرار ؛ وذلك ينافي كون الإله رحيما ناظرا لعباده .
الوجه الخامس: أن الفعل المستعاذ منه إن كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة فِي الاستعاذة
منه ، وإن كان واجب الوقوع ، كذلك .
اعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله:"أعوذ بالله"إلا أن ينكشف أن
الكل من الله تعالى ، وبالله .