ومراكبهم حتى أخرجوا معهم النوق التي معها أولادها ، فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه:
منها: أن القرآن شفاء لما فِي الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة ، فهو دواء لما أمَرَّه فيها الشيطان ، فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلى منه القلب ليصادف الدواء محلاً خاليا ، فيتمكن منه ، ويؤثر فيه ، كما قيل:
أَتَانِى هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوى فَصَادَفَ قَلْباً خَالِياً فَتَمَكّنَا
فيجئ هذا الدواء الشافى إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضاد له فينجع فيه.
ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير فِي القلب ، كما أن الماء مادة النبات ، والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا ، فكلما أحس بنبات الخير فِي القلب سعى فِي إفساده وإحراقه ، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.
والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله ، أن الاستعاذة فِي الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن ، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.
وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة لاحظ هذا المعنى ، وهو لعمر الله ملحظ جيد ، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع فِي القراءة وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف ، وهو محصل للأمرين.
ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته. كما فِي حديث أُسيد ابنُ حضَير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها مثل المصابيح ، فقال النبيّ عليه الصلاة والسلام:"تِلْكَ المَلائِكُة".
والشيطان ضد الملك وعدوه. فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه حتى يحضره خاصته وملائكته ، فهذه وليمة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين.