واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله: (أعوذ بالله) إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله ، وحاصل الكلام فيه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم:"أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من غضبك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"
المستعاذ به:
الركن الثاني المستعاذ به: واعلم أن هذا ورد فِي القرآن والأخبار على وجهين: أحدهما: أن يقال: (أعوذ بالله) والثاني: أن يقال: (أعوذ بكلمات الله) أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله وسيأتي ذلك فِي تفسير بسم الله وأما قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}
[النحل: 40] والمراد من قوله"كن"نفاذ قدرته فِي الممكنات ، وسريان مشيئته فِي الكائنات ، بحيث يمتنع أن يعرض له عائق ومانع ، ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفاً بتلك القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ، وأيضاً فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على سبيل الحركة ، والخروج من القوة إلى الفعل يسيراً يسيراً ، وأما الروحانيات فإنما يحصل تكونها وخروجها إلى الفعل دفعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان حدوثها شبيهاً بحدوث الحرف الذي لا يوجد إلا فِي الآن الذي لا ينقسم ، فلهذه المشابهة سميت نفاذ قدرته بالكلمة ، وأيضاً ثبت فِي علم المعقولات أن عالم الأرواح مستولٍ على عالم الأجسام ، وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى:
{فالمدبرات أَمْراً}
[النازعات: 5] فقوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية المقدسة الطاهرة الطيبة فِي دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة ، فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة.