السادس: جعلتني مرجوماً ملعوناً بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم صدر مني ؟ فإن كان الأول فقد بطل الجبر ، وإن كان الثاني فهذا محض الظلم ، وأنت قلت: {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ}
[غافر: 31] فكيف يليق هذا بك ؟ .
فإن قال قائل: هذه لإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر ، وأنا لا أقول بالجبر ، ولا بالقدر ، بل أقول: الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر ، وهو الكسب.
فنقول: هذا ضعيف ، لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر فِي الفعل على سبيل الاستقلال أو لا يكون ، فإن كان الأول فهو تمام القول بالاعتزال ، وإن كان الثاني فهو الجبر المحض ، والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول ، فكيف يعقل حصول الواسطة.
قال أهل السنّة والجماعة أما الإشكالات التي ألزمتموها علينا فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين:
الأول: أن قدرة العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين ، أو كانت صالحة للطرفين معاً ، فإن كان الأول فالجبر لازم ، وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن يتوقف على المرجح ، أو لا يتوقف فإن كان الأول ففاعل ذلك المرجح إن كان هو العبد عاد التقسيم الأول فيه ، وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح يصير الفعل واجب الوقوع ، وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع ، وحينئذٍ يلزمكم كل ما ذكرتموه ، وأما الثاني: وهو أن يقال: إن رجحان أحد الطرفين على الآخر لا يتوقف على مرجح فهذا باطل لوجهين: الأول: أنه لو جاز ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح ، والثاني: أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعاً على سبيل الاتفاق ، ولا يكون صادراً عن العبد ، وإذا كان الأمر كذلك فقد عاد الجبر المحض ، فثبت بهذا البيان أن كل ما أوردتموه علينا فهو وارد عليكم.