وحكى الخطابى أن الصحابة لما اجتمعوا على القرآن ، وضعوا سورة القدر
عقيب العلق ، واستدلوا بذلك على أن المراد بهاء الكتابة فِي قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)
إشارة إلى قوله: اقرأ ، قال القاضي أبو بكر بن العربي. وهذا
بديع جدا ، قلت: ومن ظن ممن اعتمد القول بأن ترتيب السور اجتهاد من الصحابة
أنهم لم يراعوا فِي ذلك التناسب والاشتباه فقد سقطت مخاطبته ، وإلا فما المراعى
وترتيب النزول غير ملحوظ فِي ذلك بالقطع ، بل هذا معلوم فِي ترتيب آي اقرآن ، الواقع ترتيبها بأمره عليه السلام وتوقيفه بغير خلاف ، ألا ترى أن سورة البقرة من المدني
وقد تقدمت سور القرآن بتوقيفه عليه السلام فِي الصحيح المقطوع به ، وتقدم المدني على المكي فِي ترتيب السور والآي كثير جدا ، فإذا سقط تعلق الضمان بترتيب النزول
لم يبق إلى رعي التناسب والاشتباه ، وارتباط النظائر والاشباه.
وتدبر بعقلك وضوح ذلك فِي عدة سور كالأنفال وبراءة ، والطلاق والتحريم ، والتكوير والانفطار ، والضحى وألم نشرح ، والفيل وقريش ، والمعوذتين إلى غير هذه السور مما لا يتوقف فِي وضوحه من له أدنى نظر.
وقد مال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية . رحمه الله فِي ترتيب
السور إلى القول بالتفصيل .
وهو أن كثيرا من سور القرآن قد كان علم ترتيبها في
أيامه - صلى الله عليه وسلم - كالسبع الطوال ، والحواميم ، والمفصل ، وأشار كلامه إلى أن مما سوى ذلك
يمكن أن يكون عليه السلام فوض فيه الأمر إلى الأمة بعده ، ولم يقطع القاضي أبو محمد فِي هذا القسم الثاني بشئ .
وظواهر الآثار شاهدة بصحة ما ذهب إليه فِي أكثر ما نُص عليه ، ثم يبقى بعدُ