قوله تعالي: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا(105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)
قيل: نزل ذلك في أنصاري سرق درعًا لعمه ، فاتهُم بها فَرُئِي
في دار يهودي فأوهم القوم أن اليهودي سرقها ، فأعان قوم من
المسلمين هذا الأنصاري ، فاعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - قولهم ، فأطلعه الله على الأمر ، وعاتبه ، وأمر بالاستغفار مما همّ به.
قال ابن بحر: يجوز أن تكون هذه الآية راجعة إلى قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا)
فبيّن أنهم مع إظهارهم الإِيمان بما أنزل على الأنبياء يصدّون عمّا
يُدعون إليه من حكم الكتاب.
قال: ومعنى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) راجع إلى قوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) ، فنهى عن حسن الظن بأمثالهم ، ونهى في هذه الآية عن الدفع عنهم.
قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا(107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)
أعاد النهي عن الذب عنهم بقوله: (وَلَا تُجَادِلْ)
والمجادلة: المقاتلة ، من قولهم: جدلت الخيل ، وقيل: المنازعة من الإِلقاء