قَالَ الأَصْمَعِيُّ: عَشِقَ رَجُلٌ مِنَ النُّسَّاكِ جَارِيَةً مِنَ الْبَصْرَةِ فَبَعَثَ يَخْطُبُهَا فَأَبَتْ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلْتُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ أَدْعُوكِ إِلَى الْأَمر الصَّحِيح والحلال الَّذِي عَيْبَ فِيهِ وَلا وِزْرَ وَتَدْعِينَنِي إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَك قَالَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالَّذِي عِنْدِي فَإِنْ أَرَدْتَ فَتَقَدَّمْ وَإِنْ كَرِهْتَ فَتَأَخَرْ
فَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
أُسَائِلُهَا الْحَلالَ وَتَدْعُ قَلْبِي ... إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ مِنَ الْحَرَامِ
كَدَاعِي آلَ فِرْعَوْنَ إِلَيْهِ ... وَهُمْ يَدْعُونَهُ نَحْوَ الْغَرَامِ
فَظَلَّ مُنَعَّمًا فِي الْخُلْدِ يَسْعَى ... وَظَلُّوا فِي الْجَحِيمِ وَفِي السِّقَامِ
فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَاحِشَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ عَلَى الَّذِي تُحِبُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا هَيْهَاتَ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَنْ دَعَانِي إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَنَا أَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَقَالَ
لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرَاقِبُ رَبَّهُ ... عِنْدَ الْهَوَى وَيَخَافُهُ أَحْيَانَا
إِنَّ الَّذِي يَبْغِي الْهَوَى وَيُرِيدُهُ ... كَمُؤَاجِرٍ شَيْطَانَهُ شَيْطَانَا
حَجَبَ التُّقَى بَابَ الْهَوَى فَأَخُو التُّقَى ... عَفُّ الْخَلِيقَةِ زَائِدٌ إِيمَانَا انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...