والثالث: أنه"قالوا فيم كنتم"، ولا بد من تَقْدِيرِ العَائِد أيْضاً ، أي: قالوا لَهُم كذا ، و"فيم"خَبَرَ"كُنْتُم"، وهي"ما"الاستِفْهَامِيَّة حُذِفَت ألِفُها حين جُرَّتْ ، وقد تقدَّم تَحْقِيق ذلك عند قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله} [البقرة: 91] ، والجُملة من قوله:"فيم كنتم"في مَحَلِّ نَصْبٍ بالقَوْلِ ، و"في الأرض"متعلقٌ بـ"مُسْتَضْعَفِين"، ولا يجوز أن يكُون"في الأرْضِ"هو الخَبَر ، و"مُسْتَضْعَفِين"حالاً ، كما يَجُوز ذلك في نَحْو:"كان زيدٌ قائَماً في الدَّارِ"لعدمِ الفَائدة في هذا الخَبَر.
قوله:"فتُهاجِرُوا"مَنْصُوبٌ في جَوَابِ الاسْتِفْهَام.
وقال أبو الببَقَاء:"ألَمْ تَكُنْ"استِفْهام بمعنى التَّوْبِيخ ،"فتُهَاجِرُوا"مَنْصُوبٌ على جواب الاستفهام ؛ لأنَّ النَّفْي صار إثْبَاتاً بالاستفهَام". انتهى."
قوله:"لأنَّ النَّفْي"إلى آخره لا يَظْهَر تَعْلِيلاً لقوله:"مَنْصُوبٌ على جواب الاستِفْهَام"؛ لأن ذلك لا يَصِحُّ ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه عِلّةً لقوله:"بمَعْنَى التَّوْبيخ"، و ["ساءت"] : قد تَقَدَّم القول في"سَاء"، وأنها تَجْرِي مَجْرى"بِئْس"فيُشْترط في فاعلها ما يُشْتَرَك فَاعِلِ تيك ، و"مصيراً": تَمْيِيز.
قوله:"لا يستطيعون حيلة"في هذه الجُمْلَة أرْبَعة أوجه:
أحدها: أنَّها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ ، كأنه قيل: ما وَجْهُ استِضْعَافِهم ؟ فقيل: كذا.
والثاني: أنها حالٌ.
قال أبو البَقَاء:"حالٌ مبينَّة عن مَعْنَى الاستِضْعَاف"، قال شهاب الدين: كأنَّه يُشِير إلى المَعْنَى المتقدِّم في كونها جَوَاباً لسُؤال مُقَدِّر.