قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص ، وإما معارضة ، وإما إضمار ، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك.
قال: والذي أعتمده وجهان:
الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة.
والثاني: أن قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم ، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم ، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين ، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره.
وأقول: أما الوجه الأول فضعيف ، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فإذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل ، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم ، فيسقط هذا الكلام بالكلية ، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة ، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر ، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون إليه عند اشتغالهم بالجهاد ، فابتدأ بقوله: {ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} [النساء: 92] فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد ، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد ، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين ، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه.