{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} وهؤلاء القوم هم قوم من بني أسد وعطفان ، وكانوا على مشارف المدينة ، وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون:"نحن معكم"، والحقيقة أنهم عاجزون عن مواجهة أي معسكر. ولذلك يصفهم القرآن: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} . وهؤلاء كلما جاءهم الاختبار {أُرْكِسُواْ فِيِهَا} . أي فشلوا في الاختبار ، فعناصرهم الإيمانية لم تقو بعد ، وما زالوا في حيرة من أمرهم. وعندما جاءتهم الفتنة لتصهرهم وتكشف ما في أعماقهم ازدادت حيرتهم ، فالفتنة هي اختبار ، وليست الفتنة شيئاً مذموماً ، وعندما يقال: إن فلانا في فتنة فعلى المؤمن أن يدعو بالنجاح فيها ، فالفتنة ليست مصيبة تقع ، ولكن المصيبة تقع إذا رسب الإنسان في الفتنة.
ونعلم أن الفتنة مأخوذة من الأمر الحسي ، فتنة الذهب وكذلك الحديد: فتنة الذهب هي صهر الذهب في البوتقة حتى ينصهر ؛ فتطفو كالزبد كلُّ العناصر الشائبة المختلطة بالذهب ، وكذلك الحديد ، يتم صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض. ويطفو الخبث.
ونعرف أن الحديد أنواع: فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر. بينما نجد الحديد الصلب بلا خبث فهو صلب. وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن الغريبة المختلطة به. ونقلت كلمة"الفتنة"من المحسات إلى المعاني ، وصارت الفتنة هي الاختبار الذي ينجح فيه الإنسان أو يرسب ، فهي ليست ضارة في ذاتها ، ولكنها ضارة لمن يرسب فيها.