والوجه الثالث: هو سوء التصور فعلاً لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة ، وعلاقته بمشيئة الله. وطبيعة أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ؛ وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى..
وهذا الوجه الثالث - إذا صح - ربما يكون قابلاً لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل ، يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. ويقولون: {ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب!} .. غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى.. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها. وهذا الوجه الثالث منها..
إن القضية التي تتناولها هذه الآيات ، هي جانب من قضية كبيرة.. القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم"قضية القضاء والقدر"أو"الجبر والاختيار".
.وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس ؛ ثم في الرد عليهم ، وتصحيح تصورهم. والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض.. فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم:
{وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عندالله. وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل: كل من عند الله. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟} ..
إن الله هو الفاعل الأول ، والفاعل الواحد ، لكل ما يقع في الكون ، وما يقع للناس ، وما يقع من الناس. فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا. ولكن تحقق الفعل - أي فعل - لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر.
فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة ، وإيقاعها بهم ، للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بشر منهم مخلوق مثلهم - نسبة غير حقيقية ؛ تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع.