ابن عرفة: هذا شبة قياس الغير مركب من مقدمتين أحدهما منطوق بها، والأخرى مضمرة واضحة الدلالة، فلذلك حذفت والتقدير القرآن ليس من عند غير الله، وكل ما ليس من عند غير الله هو من عند الله بيان حقيقة الصغرى بما ذكر في الآية، وهو أنه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) فهو من عند الله مطلقا، ابن عرفة: ووجدوا من وجدان الضالة، وإنما قال: وجدوا، ولم يقل: لأدركوا إشارة إلى أنه من غير تأمل ولا تفكر، فكل متصف يدركه بأول وهلة بخلاف لفظ الإدراك فإنه يشعر بأن المعنى بما حصل بعد تأمل ونظر.
قال الزمخشري فإن قلت: كيف يجمع بين قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ، وبين قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) ، ابن عرفة: وأجيب عن الأول إما بأنها مواطن نفي موطن كانت ثعبانا وهو في آخر الأمر، ومرة كالجان وذلك في أول الأمر والمثابة موطن واحد فشبهها بالثعبان في عظم جرمها وبالجان في سرعة حركتها، وعن الثاني: إما بأنها آية مواطن، وإما بأن المراد لتسألهم سؤال تقريع.
قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ... (84) }
قال ابن عرفة: الآية دالة على جواز تكليف ما لَا يطاق خلافا للمعتزلة إذ لو لم يكن جائزا عقلا لما احتيج إلى قوله تعالى: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) لأن التكليف بفعل الغير مما لَا يطاق؛ لأن الإنسان إنما يطيق فعل نفسه أما فعل غيره فلا يطيقه فلا يحتاج إلى نفي التكليف به شرعا لأنه منفي عقلا.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا) .
هذه أفعل من يقتضي المشاركة بالفعل، فأما إن أريد الشدة المعلومة في أصول الدين فالشركة منتفية، وإن أريد الإشراك العادي المشاهد لنا فالشركة حاصلة تامة وتقدم البؤس من تقديم السبب على المسبب؛ لأنه إذا حصل البأس حصل النكال.
قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ... (86) } ..