ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَقَالَ لَهُ: «وَعَلَيْكَ» فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , أَتَاكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَسَلَّمَا عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ:"إِنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنَا شَيْئًا قَالَ اللَّهُ {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} فَرَدَدْنَاهَا عَلَيْكَ"
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَوَاجِبٌ رَدُّ التَّحِيَّةِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ؟
قِيلَ: نَعَمْ , وَبِهِ كَانَ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ
عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ:"السَّلَامُ: تَطَوُّعٌ , وَالرَّدُّ فَرِيضَةٌ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الْأَعْمَالِ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ حَفِيظًا عَلَيْكُمْ , حَتَّى يُجَازِيَكمْ بِهَا جَزَاءَهُ.
وَأَصْلُ الْحَسِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدِي فَعِيلٌ مِنَ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْإِحْصَاءِ , يُقَالَ مِنْهُ: حَاسَبْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا وَكَذَا , وَفُلَانٌ حَاسَبَهُ عَلَى كَذَا وَهُوَ حَسِيبُهُ , وَذَلِكَ إِذَا كَانَ صَاحِبَ حِسَابِهِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى الْحَسِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْكَافِي , يُقَالَ مِنْهُ: أَحْسَبَنِي الشَّيْءَ يُحْسِبُنِي إِحْسَابًا , بِمَعْنَى: كَفَانِي , مِنْ قَوْلِهِمْ: حَسْبِي كَذَا وَكَذَا. وَهَذَا غَلَطٌ مِنَ الْقَوْلِ وَخَطَأٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقَالَ فِي أَحْسَبْتُ الشَّيْءَ: أَحْسَبْتُ عَلَى الشَّيْءِ فَهُوَ حَسِيبٌ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يُقَالَ: هُوَ حَسْبُهُ وَحَسِيبُهُ , وَاللَّهُ يَقُولُ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) }