وحديث رواه الترمذي وأبو داود جاء فيه «قيل يا رسول الله: الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام قال أولاهما بالله» . ولقد أثر عن ابن عباس أنه قال «من سلّم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا» .
وجمهور العلماء متفقون على أن البدء بالسلام سنة مستحبة والردّ عليه واجب والممتنع عن الردّ آثم. وهذا متسق مع روح الآية ومضمونها.
ولقد روى مسلم وأبو داود حديثا جاء فيه «إنّ بعض أصحاب رسول الله قالوا له إنّ أهل الكتاب يسلّمون علينا فكيف نردّ عليهم فقال: قولوا وعليكم» . ومع هذا الحديث أحاديث مفسّرة ومعلّلة منها حديث عن ابن عمر عن النبي رواه البخاري ومسلم وأبو داود جاء فيه «إذا سلّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام
عليك فقولوا وعليك» ومنها حديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة قالت «دخل رهط من اليهود على رسول الله فقالوا: السام عليك، ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله، مهلا يا عائشة فإنّ الله يحبّ الرفق في الأمر كله.
فقلت يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟! قال فقد قلت وعليكم» وفي رواية لمسلم «فسمعت عائشة فسبّتهم فقال رسول الله: مه يا عائشة فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التفحّش» . وواضح من هذا أن التعليم النبوي متصل بما كان من مواقف اليهود الكيدية والعدائية والمؤذية، بحيث يسوغ القول إنه ليس من شأنه أن يمنع المسلم من ردّ التحية على غير المسلم بأحسن منها أو بمثلها إذا كانت بريئة من الكيد واللمز صادرة عن رغبة المسالمة والموادة عملا بنصّ الآية وبنص آية سورة الممتحنة هذه لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) بل وليس من شأنه أن يمنع المسلم من التسليم على جماعة من أهل الكتاب أو فيهم أهل كتاب استنادا إلى الحديث الذي رواه البخاري والترمذي الذي أوردناه آنفا. والله أعلم.
ويلحظ أن بعض الأحاديث لا تقتصر في تلقينها على التساوق مع الآية في إيجاب ردّ التحية بالأحسن أو بالمثل بل احتوت تأديبا ببدء الغير بالتحية أيضا.