رَابِعُهَا: قَوْلُ مُقَاتِلٍ: إِنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ الدُّعَاءُ وَإِنَّ نَصِيبَ الشَّافِعِ مِنْهَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ: مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَوْرَدَهُ الرَّازِيُّ بِالْمَعْنَى ، وَذَكَرَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ السَّيِّئَةَ مَا كَانَ مِنْ تَحْرِيفِ الْيَهُودِ لِلسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِمْ:"السَّامُ عَلَيْكُمْ"أَيِّ الْمَوْتُ ، أَقُولُ: وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا مَعْرُوفٌ وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ أَلْبَتَّةَ .
خَامِسُهَا: قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ وَابْنِ زَيْدٍ: إِنَّهَا شَفَاعَةُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، فَمَا يَجُوزُ فِي الدِّينِ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ فَهُوَ شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ فَهُوَ شَفَاعَةٌ
سَيِّئَةٌ ، ثُمَّ جَزَمَ الرَّازِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْجِهَادِ ، فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهَا عَلَى الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي مَعْنَاهَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الَّذِي لَا يُنَافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ .
وَقَدْ أَنْكَرَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى الْجَلَالِ وَغَيْرِهِ حَمْلَ الشَّفَاعَةِ عَلَى مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فِي شُئُونِهِمُ الْخَاصَّةِ مِنَ الْمَعَايِشِ ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ يَذْهَبُ بِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحَرَارَةِ وَيُخْرِجُهَا مِنَ السِّيَاقِ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَعَمُّ فَالْمَقْصُودُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ