ومثال ذلك: عندما نأتي بماء ملون ونضعه في إناء، ونضع في الإناء الأنابيب الشعرية، فالسائل الملون يصعد إلى الأنابيب الشعرية، ولا تأخذ أنبوبة مادة من السائل، وتترك مادة بل كل الأنابيب تأخذ المادة نفسها. لكن شعيرات النبات تأخذ من الأرض الشيء الصالح لها وتترك الشيء غير الصالح. وهو ما يقول عنه علماء النبات"ذلك هو الانتخاب الطبيعي". ومعنى الانتخاب هو الاختيار، والاختيار يقتضي عقلاً يفكر ويرجح، والنبات لا عقل له، ولذلك كان يجب أن يقولوا إنه"الانتخاب الإلهي"، فالطبيعة لا عقل لها ولكن يديرها حكيم له مطلق العلم والحكمة والقيومية.
وسبحانه يقول عن ذلك:
{يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .
فالفلفل يأخذ المادة المناسبة للحريفية، والقصب يأخذ المادة التي تصنع حلاوته، والرمان يأخذ المادة الحمضية. هذا هو الانتخاب الإلهي.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} وساعة تسمع"كان الله"فإياك أن تتصور أن لـ"كان"هنا ملحظاً في الزمن، فعندما نقول بالنسبة للبشر"كان زيد غنياً"فزيد من الأغيار وقد يذهب ثراؤه. لكن عندما نقول"كان الله"فإننا نقول:"كان الله وما زال"، لأن الذي كان ويتغير هو من تدركه الأغيار. وسبحانه هو الذي يُغَيِّر ولا يَتَغَيَّر، وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. وحين أوضح لنا سبحانه الشفاعة وأمرنا أن يعدي الواحد منا مواهبه إلى غيره فذلك حتى تتساند قدرات المجتمع لأنه يربب الفائد للعبد المؤمن ويرببها للجميع. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 2492 - 2496}