لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية ما لحق (الكاف) ، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر، وخلو الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) }
ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة، ولا ينتقل إلى الجهالة.
والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر رضي الله عنه:
فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا
لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق والتثبيت.
وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن يخلق له أمثالها.
وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} .