لما رجع الرشيد عن الحج كان قد نذر أن يتصدق بألف دينار على أحق من يجده، فدفع يوما ألف دينار إلى بعض ثقاته وأمره أن يطلب فقيرا مستحقا فيعطيه، فأخذ يطوف في الأسواق فإذا رأى فقيرا مستحقا للإعطاء، قال: لعلّي: أجد أفقر منه، فانتهى بالعشي إلى عريان محلوق الرأس في خربة، فقال في نفسه: لا أجد أفقر من هذا. فقال: يا فتى خذ هذا المال واستغن به، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: أحب أن تأخذه، قال: إن كان
ولا بد فثم حجّام حلق رأسي ولم يكن معي شيء فادفعه إليه، قال: فقصدت الحجام فامتنع من أخذه، فقلت: هو ألف دينار، فقال: ما حلقت رأسه إلا للثواب فلا آخذ عليه أجرة. قال: فعدت وما وجدت أكرم منهما وأهون منّي، فأخبرت الرشيد بأمرهما فبعثني في طلبهما فكأن الأرض ابتعلتهما ولم أظفر بهما.
ولما حجّ الرشيد دخل على الفضيل فوعظه بما وعظه، وأراد الخروج، فقال: يا فضيل هل عليك دين؟ فقال: نعم، دين ربي لو يحاسبني عليه. فالويل لي إن حاسبني عليه، والويل لي إن ناقشني، فقال الرشيد: إني أسألك عن دين العباد، فقال: عندنا بحمد الله خير كثير لا نحتاج معه إلى ما في أيدي الناس، قال: هذه ألف دينار فاستعن بها، فقال: يا حسن الوجه أدلك على النجاة وتكافئني بالهلاك، اسأل الله التوفيق فلما خرج عاتبته بنيّته، فقالت: لو أخذتها فاستعنا بها، فقال: إن مثلي ومثلكم مثل قوم كان لهم بعير يكدونه ويأكلون من كسبه فلما كبر وسقط عن العمل نحروه فأكلوه.
ومر الإسكندر ببلد كان ملكه سبعة ملوك من صلب واحد ففنوا، فقال لأهله: هل بقي من نسل الأملاك السبعة أحد؟ قالوا: نعم، رجل يكون في المقابر فقصده.
وقال: ما دعاك إلى ملازمة المقابر؟ فقال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدت عظامهم سواء. قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي لك شرف آبائك إن كان لك همّة، قال: إن همتي عظيمة إن كانت بغيتي عندك، قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر بعده، وسرور لا يغيره مكروه، فقال: لا أقدر على ذلك، فقال:
إمض لشأنك ودعني أطلب بغيتي ممّن عنده ذلك.
قال الإسكندر: هذا أحكم من رأيت.
وقف أعرابي على محمد بن معمر، وكان محمد جوادا، فسأله، فخلع خاتمه ودفعه إليه، فلما ولّى قال: يا أعرابي لا تخدعنّ عن هذا الفصّ فإن شراءه على مائة دينار، فمضغ الأعرابي الخاتم وقلع فصه.
وقال دونكه فالفضة تكفيني أياما، فقال: هذا والله أجود مني.