فنسأل الله خَاتِمَة خير ونسأله أَن يعرفنا جَمِيع نعمه وَأَن يوزعنا الشُّكْر على ذَلِك فقد ينَال العَبْد بالمعرفة والإرادة من الْخَيْر والقرب من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا لَا يَنَالهُ صَاحب الْعَمَل الْكثير.
(معرفَة مَا يحب الله وَمَا يكره)
وَإنَّهُ لَيْسَ شيء أولى بِالْعَبدِ بعد معرفَة الله من معرفَة مَا يكره الله وَهُوَ الَّذِي نَهَاهُ عَنهُ وَتقدم فِيهِ بالوعيد والزجر والتحذير
ثمَّ معرفَة مَا أحب الله وَهُوَ الَّذِي أَمر بِهِ وَرغب فِيهِ.
فأبلغ الأعمال إِلَى رضوَان الله مُفَارقَة مَا يكره الله ثمَّ مُبَاشرَة مَا يحب الله تَعَالَى وَمَا رغب فِيهِ.
فَانْظُر يَا أخي إِذا أصبحت فَلَا يكن شيء أهم إليك من أَن تميت خصْلَة
تهواها نَفسك مِمَّا يكره الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يحيا لَك مَكَانهَا خصْلَة مِمَّا يحب الله وَلَك بعد ذَلِك التَّضْعِيف من النُّور الساطع فِي قَلْبك والفهم.
وَاعْلَم يَا أخي أن الدُّنْيَا مِنْهَا حَلَال مُبَاح وَمِنْهَا شُبُهَات وَمِنْهَا حرَام
فَإِذا كَانَ فِي قلب العَبْد عقدَة متمكنة من عقد حب الْحَلَال الْمُبَاح لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الشُّبُهَات والمكروهات
وَإِذا كَانَ فِي قلبه عقدَة متمكنة من عقد حب الشُّبُهَات والمكروهات لم تَنْقَطِع عَنهُ مواد نوازع الْحَرَام وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنه قَالَ:
"من وَقع فِي الشُّبُهَات فَأوشك أن يواقع الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك أن يَقع فِيهِ"
فَكل من تمكنت الشُّبُهَات من قلبه وَاطْمَأَنَّ إِلَى أخذها وَقع فِي الْحَرَام لأن الشُّبُهَات أقرب إلى الْحَرَام مِنْهَا إلى الْحَلَال
قلت فَكيف يصنع النَّاس بمرافقهم وحوائجهم.
فَقَالَ إِنِّي لم أَنْهَك عَن كسبك وحوائجك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا وَإِنَّمَا أحذرك أَخذ مَا لَا تحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا ونهيك عَن اعْتِقَاد الْحبّ لما تحْتَاج إليه مِنْهَا حَتَّى تكون تأخذها من الْمُبَاح وَهِي راغمة وَأَنت عَالم بهَا وبصغر قدرهَا عِنْد خَالِقهَا إِذْ يَقُول لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى}
وَإِذ يَقُول نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
"لَو عدلت الدُّنْيَا عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء"