{وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} فهل جاء هذا الكلام منهم على سبيل الاستفهام ؟ يوضح الله لنا ذلك: إنهم يقولون: يا رب لماذا ابتليتنا هذا الابتلاء ، وقد لا نقدر عليه في ساعة الخوف من لقاء المعارك: ؟ لذلك طلبوا أن يؤجل الله ذلك وأن يجعلهم يموتون حتف أنوفهم لا بيد العدو ، وكلمة {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} توضح أن كل واحد منهم يعي تماماً أنه سيموت حتماً ، لكن لا أحد منهم يريد أن تنتهي حياته بالقتل.
ولماذا تطلبون التأخير ؟ أحُباً في الدنيا ومتاعها ؟ ويأتي جواب الحق: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ولا يصح أن تحرصوا عليه أيها المؤمنون حرصاً يمنعكم أن تذهبوا لتقاتلوا ، فكلكم ستموتون ، وكل منا يجازيه ربنا على عمله ، أما الذي يُقتل في سبيل الله فسيجازيه على عمله فوراً ، ويعطيه حياة أخرى مقابل الموت. لأنه سيأخذ الشهادة ، ولذلك يأمر الحق رسوله بأن يقول: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} إن قارنته بما يصل إليه المرء من ثواب عظيم إن قتل في الحرب جهاداً في سبيل الله. قال بعضهم: إذا كان لا مفر من الموت ، فلماذا لا نذهب لنقاتل في سبيل الله ، فإن قتلنا فليكن موتنا بثمن زائد عن عملنا ، إذن فهذا تربيب وتنمية للفائدة ، ولذلك قال الحكيم: ولو أن الحياة تبقى لحي لعددنا أضلَّنا الشجعان
أي أن الحياة لو كانت تبقى لحي لكان أضل ناس فينا هم الشجعان الذين يقتلون أنفسهم في الحرب ، لكن المسألة ليست كذلك ، والشاعر العربي يقول: ألا أيها الزاجري أحضر الوغي وأن أشهد اللذات هل أنت مُخلدي
والمتنبي يقول: أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس ورثه التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا
إذن فالاثنان يحبان نفسيهما ، لكن هناك فرق بين الحب الأحمق والحب الأعمق.