وأزيدك هنا أن الله تعالى إنَّما ذكر هؤلاء الأصناف في هذه الآية؛ أعني: قوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} [سورة النساء: 69] الآية؛ إشارة إلى أن من تقدم عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم من النبيين، والصّديقين، والشُّهداء، والصالحين لو أدركوا زمانه ما وسعهم إلا طاعته واتباعه، فمن أطاع الله ورسوله فهو معهم لأنه متشبه بهم في ذلك وإن لم يتفق ذلك منهم بالفعل؛ إذ لم يمنعهم من ذلك إلا تأخر عصره - صلى الله عليه وسلم - عن أعصارهم، وإلا فقد أعطوا عهودهم ومواثيقهم بذلك؛ بدليل قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ [سورة آل عمران: 81] .
وروى ابن أبي حاتم، عن السُّدِّي في الآية قال: لم يبعث نبي قط من لدن نوح عليه السلام إلا أخذ الله ميثاقه ليؤمنن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء.
وأيضًا في ذكر الله تعالى النَّبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الآية تشويق، وتحريك لقلوب الطائعين إلى طلب مقاماتهم، ورجاء اللحاق بدرجاتهم، وإشارة للطائع إلى أنه مهما أطاع كان هؤلاء رفقته في طريقه إلى الله تعالى وعند الله سبحانه وتعالى كما قال: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [سورة النساء: 69] ، ولا شك أن اختيار الرفيق مما نَدَب اللهُ إليه عبادَه.
وروى الخطيب البغدادي عن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْجارُ قَبْلَ الدَّارِ، وَالرَّفِيْقُ قَبْلَ الطَّرِيْقِ، وَالزَّادُ قَبْلَ الرَّحِيلِ".
قلت: وقد وقعت الإشارة إلى هذه الثلاثة؛ أعني: الجار، والرفيق، والزاد في الآية المشار إليها؛ فالزاد هو طاعة الله تعالى