قال الشعبي: دخلت يوماً على ابن هبيرة وبين يديه رجل يريد قتله، فقلت: أصلح الله الأمير، أنت على فعل مالم تفعل أقدر منك على ما فعلت، ولأن تندم على العفو خير من أن تندم على العقوبة. قال: صدقت يا شعبي. وأمر بالرجل إلى السجن.
قال المأمون: تحتمل الملوك لأصحابهم كل شيء إلا ثلاث خصال: القدح في الملك، وإفشاء الأسرار، والتعرض للحرم.
روى ابن دريد، عن ابن أخي الأصمعي، عن عمه عن أبي عمرو بن العلاء أنه دخل على سليمان بن علي، فسأله عن شيء فصرفه عنه، فغضب سليمان بن علي فخرج أبو عمرو وهو يقول:
أنفت من العار عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرَّبوا
إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منِّي بأن يكذبوا
قيل للعتابي: لم لا تخدم الأمير؟ أو لا تكتب للأمير، فقال: لأني رأيته يعطي رجلاً ألف مثقال بلا خصلة، ويرمي آخر من أعلى السور على الرأس بلا ذنب، فلا أدري أي الرجلين أكون عنده، مع أن الذي أعطي في ذلك، أكثر من الذي آخذ - يريد مهجته - وركوب الغرر فيها معه، والعتابي هو القائل:
تلوم على ترك الغنى باهلِّيةٌ ... زوى الدَّهر عنها كلَّ طرفٍ وتالد
رأت حولها النِّسوان يرفلن في الكسى ... مقلَّدةً أجيادها بالقلائد
يسرُّك أنِّي نلت ما نال جعفرٌ ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأنَّ أمير المؤمنين أغصَّني ... مغصَّهما بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنَّةً ... ولم أتجشَّم هول تلك الموارد
وإنَّ كريمات المعالي مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
وقال الغزال:
وإن أعطيت سلطاناً ... فحاذر صولة الزَّمن
أخو السُّلطان موصوفٌ ... بحسن الرَّأي والفطن
فساعة ما يزاوله ... رماه النَّاس بالَّلعن
ويصبح رأيه المحمو ... د منسوباً إلى الأفن
وتبصر في مطَّيته ... سقوط العين والأذن
وتسترخي مفاصله ... وتكسى كسوة الحزن
كأن بشاشة السُّلطا ... ن حين تزول لم تكن
وقال إدريس بن مقيم الإشبيلي:
قالوا تقرَّب من السُّلطان قلت لهم ... يعيذني الله من قرب السَّلاطين
إن قلت دنيا فلا دنيا لممتحنٍ ... أو قلت دينٌ فلا ديناً لمفتون
قيل لأعرابي: من أنعم الناس عيشاً؟ قال: من لم يعرف السلطان ولم يعرفه السلطان، وكان في كفاف وغنى.
وأما أهل الآخرة فطريقتهم الإعراض عنهم، وترك معاشرتهم.