وكما رأينا في سورتي البقرة وآل عمران العناية تتجه أولاً إلى بناء هذا المجتمع من داخله. بناء عقيدته وتصوراته ، وأخلاقه ومشاعره ، وتشريعاته وأوضاعه ، إلى جانب تعليم الجماعة المسلمة كل شيء عن طبيعة أعدائها ، ووسائلهم ، وتحذيرها من كيدهم ومكرهم ، وتوجيهها إلى المعركة معهم بقلوب مطمئنة ، وعيون مفتوحة ، وإرادات محشودة ، ومعرفة بطبيعة المعركة وطبيعة الأعداء.. كذلك نجد الأمر هنا في هذه السورة ، سواء بسواء.
لقد كان القرآن فيها جميعاً ، يخوض المعركة بالجماعة المسلمة ، في كل جبهة.. كان يخوضها في الضمائر والمشاعر ، حيث ينشى ء فيها عقيدة جديدة ، ومعرفة بربها جديدة ، وتصوراً للوجود جديداً ، ويقيم فيها موازين جديدة ، وينشئ فيها قيماً جديدة ؛ ويستنقذ فطرتها من ركام الجاهلية ؛ ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع ؛ وينشئ ويثبت ملامح الإسلام الوضيئة الجميلة.. ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج.. اليهود والمنافقين والمشركين.. وهي على أتم استعداد للقائهم ، والتفوق عليهم ؛ بمتانة بنائها الداخلي الجديد: الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء..
ولقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله - بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة - هو تفوقه في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي - بفضل المنهج القرآني الرباني - قبل أن يكون تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً أو مادياً على العموم!
بل هو لم يكن قط تفوقاً عسكرياً واقتصادياً - مادياً - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائماً أكثر عدداً ، وأقوى عدة ، وأغنى مالاً ، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية ، أو في خارجها في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك.