هذه جرائم ثلاث ارتكبوها مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إما في مجلسه أو بعيدا عنه، بدافع الحسد والحقد، أو الاستهزاء والسخرية، يستعملون كلاما محتملا معنيين، وهم يريدون به الشتيمة والإهانة، لا التوقير والاحترام والتكريم، ليا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب، وطعنا في الإسلام وقدحا فيه، فيوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعِنا وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذا منتهى الوقاحة والجرأة على الباطل.
ومن تحريف لسانهم تحيتهم بقولهم: «السام- الموت- عليكم» يوهمون بفتل اللسان أنهم يقولون: «السلام عليكم»
فيجيبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «وعليكم»
أي كل أحد يموت.
قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفّظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير.
ثم وجّه الحق تعالى إلى الخطاب الأمثل فذكر: ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، واسمع منا ما نقول وانظرنا، أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل حتى نتفهم
عنك ما تقول، لكان ذلك خيرا لهم وأصوب مما قالوه، لما فيه من الفائدة والأدب.
ثم بيّن الله تعالى عاقبة تصرفاتهم النابية وهو الطرد من رحمة الله وعدم التوفيق للخير أبدا، فذكر أنه تعالى لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، والكفر يمنع عادة من التفكر والأدب في الخطاب، وهم لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا يؤبه به، وقلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة عنه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وإذا لم يكن هناك إيمان، لم يبق أمل في صلاح عمل، ولا رقي عقل، ولا طهارة نفس.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات تعجب وتوبيخ وتقريع ليهود المدينة وما والاها، ولكل من سلك سلوكهم، وسار على منهجهم، وسبب ذلك تصرفاتهم الشائنة، ومواقفهم المستهجنة التي جمعت ألوانا من الجرائم والمنكرات.
فهم اشتروا الضلالة بالهدى، وأرادوا إضلال المسلمين عن طريق الحق والمنهج القويم، وأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين، فلا تستصحبوهم فإنهم الأعداء الألداء.