{وَيَقُولُونَ} ؛ أي: ويقول هؤلاء اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} ؛ أي: خالفنا غيرك، وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر .. قالوا في الظاهر: سمعنا قولك، وعصينا غيرك، وأما في الباطن: سمعنا قولك وخالفنا أمرك، وقيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول عنادًا واستخفافًا، وقد روي عن مجاهد أنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: سمعنا قولك ولكن لا نطيعك، وكذلك كانوا يقولون له: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} ؛ أي: ويقولون في أثناء مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة كلامًا ذا وجهين، محتملًا للخير والمدح وللشر والذم، فأما معناه في المدح فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع منا مكروهًا لا يوافقك،
وأما معناه في الذم: فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع كلامًا أصلًا لصمم أو موت، وهو دعاء منهم عليه بالموت، أو بذهاب سمعه، أو غير مسمع جوابًا يوافقك فكأنك ما أسمعت شيئًا؛ أي: يخاطبون النبي - صلى الله عليه وسلم - استهزاء به، مظهرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - إرادة المعنى الأول؛ أعني: الخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأخير؛ أعني: الشر والدعاء عليه.
وكذلك كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - في أثناء خطابهم له: {وَرَاعِنَا} وهي كلمة ذات وجهين، محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا، وأنصت لحديثنا وتفهم، أخذًا من المراعاة بمعنى المحافظة، وللشر إذا حملت على السب بالرعونة والحمق، بمعنى اشملنا وأفدنا رعونتك وحمقك، أو حملت على أنهم يريدون أنك يا محمَّد ترعى أغنامًا لنا، بمعنى كن راعيًا أغنامنا.