46 -وقوله: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى، وقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ} : وقوله: {وَكَفَى بِاللَّهِ} جملتان معترضتان بين البيان والمبين، ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى، فقال: من الذين هادوا ورجعوا عن عبادة العجل قوم {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} المذكورة في التوراة {عَنْ مَوَاضِعِهِ} ؛ أي: عن مواضع تلك الكلم؛ أي: يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعها وهيأتها، التي ذكرها الله تعالى فيها، كتحريفهم في نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - أسمر ربعة، فوضعوا مكانه آدم طوال، وتحريفهم الرجم فوضعوا بدله الجلد. وقرئ: {يحرفون الكِلْم} بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف الكَلِمْ. وقرأ النخعي، وأبو رجاء: {يحرفون الكلام} وذكر الضمير في مواضعه مع عوده إلى الكلم، حملًا على معنى الكلم؛ لأنها جنس، قاله: العكبري.
فالتحريف يطلق على معنيين:
أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له، كما يؤولون البشارات التي وردت في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤولون ما ورد في المسيح، ويحملونه على شخص آخر، ولا يزالون ينتظرونه إلى اليوم.
وثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر، وقد حصل هذا في كتب اليهود، خلطوا ما يؤثر عن موسى بما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك ما وقع في كلام غيره من أنبيائهم، واعترف بهذا بعض العلماء من أهل الكتاب، وقد كانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، وسبب هذا النوع من التحريف أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة، بعد فقد النسخة التي كتبها موسى عليه السلام وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فجاء فيها ذلك الخلط بالزيادة والتكرار، كما أثبت ذلك بعض الباحثين من المسلمين.