ومن هنا قال الجنيد قدس سره: أمرني ربي أمراً وأمرني السَّرِي أمراً فقدمت أمر السري على أمر ربي وكل ما وجدت فهو من بركاته، وأول {وَبِذِى القربى واليتامى} بالروح الناطقة العارفة العاشقة الملكوتية التي خرجت من العدم بتجلي القدم وانقدحت من نور الأزل وهي أقرب كل شيء وهي جار الله تعالى المصبوغة بنوره والإحسان إليها أن تطلقها من فتنة الطبيعة وتقدس مسكنها من حظوظ البشرية لتطير بجناح المعرفة والشوق إلى عالم المشاهدة {والجار الجنب} بالصورة الحاملة للروح والإحسان إليها أن تفطم جوارحها من رضع ضرع الشهوات {والصاحب بالجنب} وهو القلب الذي يصحبك في سفر الغيب والإحسان إليه أن تفرده من الحدثان وتشوقه إلى جمال الرحمن، وقيل: هو النفس الأمارة، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» والإحسان إليها أن تحبسها في سجن العبودية وتحرقها بنيران المحبة، وأول {ابن السبيل} بالولي الكامل فإنه لم يزل ينتقل من نور الأفعال إلى نور الصفات ومن نور الصفات إلى نور الذات والإحسان إليه كتم سره وعدم الخروج عن دائرة أمره، وقال بعض العارفين: وإن شئت أولت (ذا القربى) بما يتصل بالشخص من المجردات (واليتامى) بالقوى الروحانية، (والمساكين) بالقوى النفسانية من الحواس الظاهرة وغيرها {والجار ذِى القربى} بالعقل {والجار الجنب} بالوهم {والصاحب بالجنب} بالشوق والإرادة {وابن السبيل} بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة، وباب التأويل واسع جداً {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً} يسعى بالسلوك في نفسه