الثاني: أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال: {وأمهات نِسَائِكُمْ} [النساء: 23] ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام: {نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل} [البقرة: 133] فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم أباً لزم أن تكون العمة أماً ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش} [يوسف: 100] والمراد أبوه وخالته ، فإن أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، فكان قوله: {وأمهات نِسَائِكُمْ} متناولا للعمة والخالة من بعض الوجوه.
وإذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية ، أو بدلالة خفية ، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات.
الوجه الثالث: في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول: قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} عام ، وقوله:"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"خاص ، والخاص مقدم على العام ، ثم ههنا طريقان: تارة نقول: هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر ، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز ، وعندي هذا الوجه كالمكابرة ، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد.
وتارة نقول: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز ، وتقريره مذكور في الأصول ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، والمعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول.