قال النحاس: وهذا من التعسُّف الذي لا يكاد يُسمع بمثله ، وفيه أيضاً مع التعسُّف أنه يكون كلاماً مكرراً لغير فائدة ؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكرراً لغير فائدة ؛ وأيضاً فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة ، وليس كذلك الحديث ؛ لأن الحديث:"نهى أن يجمع بين العمة والخالة"فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين أمرأتين إحداهما عمّة الأخرى والأخرى خالة الأخرى.
قال النحاس: وهذا يخرج على معنًى صحيح ، يكون رجل وابنه تزوّجا امرأة وابنتها ؛ تزوّج الرجلُ البنتَ وتزوّج الابنُ الأُمَّ فوُلد لكل واحد منهما ابنةٌ من هاتين الزوجتين ؛ فابنة الأب عمّةُ ابنة الابنِ ، وابنة الابنِ خالةُ ابنة الأب.
وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا أمرأتين كُلّ واحدة منهما خالة الأخرى ؛ وذلك أن يكون رجل تزوّج ابنة رجل وتزوّج الآخرُ ابنته ، فوُلد لكل واحد منهما ابنة ، فابنة كل واحد منهما خالةُ الأخرى.
وأما الجمع بين العمّتين فيوجب ألاّ يُجمع بين أمرأتين كلُّ واحدة منهما عمّةُ الأخرى ؛ وذلك أن يتزوّج رجل أمّ رجل ويتزوّج الآخر أُمّ الآخر ، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة كلِّ واحد منهما عمّةُ الأخرى ؛ فهذا ما حرّم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن.
وإذا تقرّر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهنّ عقداً حسناً ؛ فروى مُعْتَمِر ابن سليمان عن فُضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبيّ قال: كل أمرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكراً لم يجز له أن يتزوّج الأخرى فالجمع بينهما باطل.
فقلت له: عمّن هذا ؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.