وفي"الانتصاف": إن فائدة وصفهن بذلك ، هو تخصيص أعلى صور المنهيّ عنه ، بالنهي ، فإن النهي عن نكاح الربيبة المدخول بأمها عام ، في جميع الصور ، سواء كانت في حجر الزوج أو بائنة عنه في البلاد القاصية ، ولكن نكاحه لها وهي في حجره أقبح الصور ، والطبع عنها أنفر ، فخصت بالنهي لتساعد الجبلة على الانقياد لأحكام الملة ، ثم يكون ذلك تدريباً وتدريجاً إلى استقباح المحرم في جميع صوره ، والله أعلم .
وفي الصحيحين أن أم حبيبة - رَضِي اللّهُ عَنْهَا - قالت: يا رسول الله ! انكِح أختي بنت أبي سفيان (وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان) فقال: أو تحبين ذلك ؟ قالت: نعم ، لست لك بمخلية ، وَأَحَبّ من شاركني في خير أختي ، فقال النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( إن ذلك لا يحل لي ) .
قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة ، قال: ( بنت أم سلمة ؟ ) ، قلت: نعم .
فقال: ( لو أنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ، ما حلت لي ، إنها لابنة أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأبا سلمة ثُويبة ، فلا تعرضنَ عليّ بناتكن ولا أخواتكن ) ، (وفي رواية للبخاري:( لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي ) ) .
قال ابن كثير: فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة ، وحكم بالتحريم بذلك .
الثالث: اشتهر أن المراد من الدخول في قوله تعالى: {دَخَلْتُم بِهِنّ} معناه الكنائي ، وهو الجماع ، لأنه أسلوب الكتاب العزيز في نظائره بلاغة وأدباً .
ولذا فسره به ابن عباس وغير واحد ، فمدلول الآية صريح حينئذ في كون الحرمة مشروطة بالجماع ، فلا تتناول غيره من اللمس والتقبيل والنظر لمتاعها ، ومن أثبت تحريم الربيبة بذلك لحظ أن معنى الدخول أوسع من الجماع ، لأنه يقال: دخل بها ، إذا أمسكها وأدخلها البيت .