وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمِيثَاقُ الَّذِي عُنِيَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، هُوَ مَا أُخِذَ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، مِنْ عَهْدٍ عَلَى إِمْسَاكِهَا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحِهَا بِإِحْسَانٍ، فَأَقَرَّ بِهِ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ بِذَلِكَ أَوْصَى الرِّجَالَ فِي نِسَائِهِمْ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمِيثَاقِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، أَمُحْكَمٌ أَمْ مَنْسُوخٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُحْكَمٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِلرَّجُلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا أَتَاهَا إِذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرِيدَةُ الطَّلَاقَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا آتَاهَا مِنْهَا بِحَالٍ، كَانَتْ هِيَ الْمُرِيدَةُ لِلطَّلَاقِ أَوْ هُوَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَهَا قَوْلُهُ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِلرَّجُلِ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا آتَاهَا إِذَا أَرَادَ طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ نُشُوزٍ كَانَ مِنْهَا، وَلَا رِيبَةٍ أَتَتْ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسِخَ مِنَ الْأَحْكَامِ، مَا نَفَى خِلَافَهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي سَائِرِ كُتُبِنَا، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} نَفْيَ حُكْمِ قَوْلِهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} لِأَنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} أَخْذُ مَا آتَاهَا مِنْهَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمُرِيدَ طَلَاقَهَا.