فإذا ما اقتنع كل من الطرفين بصاحبه تقدم الشاب ومعه بعض أهله وعشيرته لخطبة الفتاة، والخطبة ليست زواجًا قائمًا على الإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي، يبيح للخاطب ما يبيحه عقد الزواج من جواز الخلوة والاستمتاع، ويوجب المهر والنفقة، إنما الخطبة وعْد بالزواج، والخاطب -كما ذكرنا- ما زال رجلًا أجنبيًّا كأي رجل، لا يجوز له أن يخرج مع مخطوبته ولا أن يخلو بها إلا في وجود محرم، والخطبة فترة يكتشف فيها كل من الجانبين ما عند صاحبه من خلق ودين؛ لأن رؤية الخاطب للفتاة ورؤية الفتاة للشاب تعطي صورة أولية وعامة للشكل الخارجي، وهل هو مقبول.
كما أن معرفة الخاطب أو المخطوبة عن طريق السؤال قد لا تعطي الصورة الحقيقية، أو الصورة الكاملة، فتأتي أيام الخطبة وما فيها من التزاور والمناقشات والمعاملات أحيانًا ما يكشف حقيقة كل منهما.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَم
وفي هذه الفترة يكون الانتقاء لما يمكن التغاضي عنه، وما لا يمكن السكوت عليه أو قبوله.
ولعلي ذكرت أنني أفضل تأخير إجراء عقد النكاح؛ حتى يتم اقتناع كل واحد منهما بالآخر، وحتى يتم الاتفاق على كل شيء، ولم يبق إلا وقت قصير على موعد الدخول؛ خشية أن تطول أيام الخطبة؛ نظرًا للظروف الاقتصادية للناس، وقد لا يصبر العروسان فيحدث اللقاء وربما ترتب عليه الحمل، فكيف يكون حال الفتاة وحال أهلها وحال ابنتهم، وابنتهم ستلد في بيتهم قبل زفافها، وبعض من لا خلاق له قد يساوم إذا ما أراد ألا يتم هذا الزواج.
وإذا لم يتم كانت فتاتنا في أسوأ حالتها، ولم لا فقد أصبحت في وثيقة رسمية مطلقة ومعها طفل، وهي في بيت أبيها، كيف سيجبر هذا الكسر، وكيف ستتزوج مرة ثانية؟! إنه كما ترون موقف صعب وبلاء شديد، وحزن خيم على هذه الأسرة، ألا ترون أن عدم الالتزام بتوجيهات ديننا هي التي أدت إلى هذا المصير المشئوم، بما فيه من ضياع وحسرات.
فهذا إذًا هو السبب الثالث الذي يؤدي إلى سوء العشرة، ألا وهو عدم الالتزام بحدود الله وهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيام الخطبة.