وإذا كانت العرب قد استخدمت (كان) للدوام والاستمرار (وعدم الانقطاع للزمن الماضي) فإن استخدام القرآن لها على هذا النسق غير مخالف لسنن العربية، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين.
قال الشاعر:
وكنا إذا الجبار صعر خد ... أقمنا له من ميله فتقومًا (2)
وقال آخر:
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزي (1)
فكان في البيتين تدل على الحالة الدائمة المستمرة وليس الإخبار عما مضى.
الوجه الثاني: كان تفيد الماضي حسب بنيتها، ولكنها تأتي للراهن والمستقبل أيضًا.
وإن أريد بـ (كان) وما يتفرع عنها الماضي ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: معناه كان في اللوح المحفوظ.
ثانيها: معناه منذ بداية الخلق والوجود.
ثالثها: كان أي مذ كان هذا الوصف للمتصف، أي ما زال.
وقد يكون المعنى في الراهن والمستقبل:
قال ابن قتيبة وقد يأتي الفعل على بنية الماضي، وهو راهن، أو مستقبل، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ} ومعناه: أنتم، ومثله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ. .} (المائدة 116) أي: (وإذ يقول) . ومثله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ. . .} (النحل: 1) ، أي: سيأتي، ومثله: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) } (مريم: 29) أي: من هو في المهد، ومثله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) } (النساء: 134) أي: واللَّه سميع بصير، ومثله: {فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} (فاطر: 9) أي: فنسوقه.
الوجه الثالث:
كان: عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 96) .
توضيح: لا تدل على (عدم سابق) ، هذا إذا لم تكن بمعنى صار، فإذا كانت بمعنى (صار) دلت على عدم سابق، فإذا قلت: كان زيد عالمًا، بمعنى صار عالمًا دل على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم.