ثم قد روى أن الدنيا تبقى بعد طلوع الشمس من مغربها طويلاً حتى يلتقي الشيخان الكبيران، فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرني أهلي إني ولدت ليالي طلعت الشمس من مغربها، فيحتمل - والله أعلم - أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن أو تاب، حتى يظهر هذا الأمر العظيم.
فيحدث عنده من تغيير القلوب بما يحدث.
فأما إذا عادت إلى ما كانت عليه من قبل وطلعت من المشرق وغربت من المغرب، وعادت الدواعي إلى النفس، وصار النفس وصار الناس كما كانوا فمن أسلم من الكفار، أو تاب من العصاة قبلت رجعته.
وأما على الوجه الآخر فينبغي أن يكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد، له مردود ما عاش لأن علمه بالله تعالى ونبيه - صلى الله عليه وسلّم - وبوعده قد صار ضروروة.
فإن الموت أيام الدنيا إلى أن ينشأ الناس من هذا الأمر العظيم ما كان.
ولا يتحدثوا عنه إلا قليلاً.
فيصير الخبر عنه حاجاً، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم من ذلك الوقت أو تاب قبل عنه والله أعلم.
(فصل)
وأما ما جاء في الآية التي سبق ذكرها من قوله عز وجل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} .
فلا دليل فيه على أن قبول التوبة من العبد على الله كما قال الزاعم الذي أدحض الله حججه، لأن ذلك محال والمعنى أن التوبة الذي وعد الله قبولها، وليس بالذي يخلف وعده، فالقبول واقع منه لا محالة كما يقع الفعل الواجب من لزمه ووجب عليه.
وهكذا قوله {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} أي وكان وعداً لا يجوز أن يخلفه، أنا نجعل حسن العاقبة لأوليائنا كما قال في معنى إعادة الخلق {وَعْداً عَلَيْنَآ} لا لأن ذلك واجب عليه في قول أخذ.
ولكن لأن إخلاف الوعد غير جائز عليه بما وعد فعله فهو فاعله لا محالة، كمن يكون عليه فعل مستحق فهو فاعله بكل حال.
وهكذا من تتبعه في كلام العرب أن يتحرز فيه مثل هذا، وبالله التوفيق.
ومن الناس من ذهب إلى أن الاستغفار من أركان التوبة، وإن أركانها الندم والعزم على ترك العود والاستغفار، وهذا فيمن ليس فيه رد مظلمة وتمكين من حق.
ومنهم من زاد الغم بالذنب الذي منه تكون التوبة بعد الفرح به، كأن رجلاً يعادي رجلاً ويريد قتله سنين، ثم ظفر به، فقتله، وتاب مكانه.