والتقنين في ذاته يقطع العذر ، فساعة أن قنن الحق لا يستطيع واحد أن يقول:"لم أكن أعلم"؛ لأن ذلك هو القانون ، وحين يجرم فهذا إيذان منه بأن النفس البشرية قد تضعف ، وتأتي بأشياء مخالفة للمنهج ، فنحن لسنا ملائكة ، وسبحانه حين يقنن يقطع العذر ، وحين يجرم فهو إيذان بأن ذلك من الممكن أن يحدث. وبعد ذلك يعاقب ، وهناك أفعال مجرمة ، ولكن المشرِّع الأول لم يجرمها ولم يضع لها قانونا ، لا عن تقصير منه ، ولكن التجريم يأتي كفرع.
إن الله سبحانه قد قدر أن النفس البشرية قد تفعل ذلك ، كالسرقة - مثلا - إنه سبحانه وضع حدا للسرقة ، وقد تضعف النفس البشرية فتسرق ، أو تزني ؛ لذلك فالحد موجود ، لكن هناك أشياء لا يأتي لها بالتجريم والعقوبة ، وكأنه سبحانه يريد آن يدلنا من طرف خفي على أنها مسائل ما كان يتصور العقل أن تكون. مثال ذلك اللواط ، لم يذكر له حداً ، لماذا ؟ لأن الفطرة السليمة لا تفعله ، بدليل أن اللواط موجود في البشر وغير موجود في الحيوان.
لكن ليس معنى ألا يجرم الحق عملا أنه لا يدخل في الحساب ، لا ، إنه داخل في الحساب بصورة أقوى ؛ لأن التجريم والعقوبة على التجريم تدل على أن الفعل من الممكن أن يحدث ، وحين يترك هذه المسألة بدون تجريم ، فمعنى ذلك أن الفطرة السليمة لا يصح أن تفعلها ، ولذلك لم يضع لها حدا أو تجريما ، وترك الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المكلف بالتشريع أن يضع حدا لهذه المسألة.