وقرأ ابن كثير"واللذانِّ"هنا"واللذينِّ"في السجدة [آية 29] بتشديد النون ، ووجهها جعل إحدى النونين عوضاً من الباء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى ، وذلك أن"الَّذي"مثل"القاضي"، و"القاضي"تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ ["ياء"] "الَّذي"و"الَّتي"أن تثبت في التثنية ، ولكنهم حَذَفُوها ، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس ؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً ، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر ، والمبهمات لا تنكر ، فجعلوا الحذف منبهةً على هذا ، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ.
وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية ، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب.
وقراءة ابن كثير في"حم"السجدة {أَرِنَا اللذين أَضَلاَّنَا} [فصلت: 29] حجةٌ عليه.
قال ابن مقسم: إنَّما شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين:
أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة ، والآخر: أن"الّذي وهذا"مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذّال ، فأرادوا تقوية كل واحد منهما ، بأن زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها.
وقيل: سبب التّشديد فيها أنّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية.
وقيل: زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام.
وقرئ:"اللَّذَأَنِّ"بهمزة وتشديد النون ، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان ، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة [الآية: 7] .