قال القاضي أبو محمد: وهذا تخيل لا يستقيم ، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ ، ولا يرد ذلك نظر ، ولا ينخرم منه أصل ، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها: إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه ، وفي قوله تعالى: الشيخ والشيخة - إذا زنيا - فارجمهوها البتة ، وهذا نص في الرجم ، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة ، وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له: فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لأقضين بينكما بكتاب الله"ثم أمر أنيساً برجم المرأة إن هي اعترفت ، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن ، وأجمعت الأمة على رفع لفظة ، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى ، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد ، وحديث عبادة المتقدم يقوى جميعهما ، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم رجمها ، وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه ، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية: فقوا ولا تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة فنقول: الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه ، وإذا لم يستقل فليس بناسخ ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها ، بل تنبني مع الجلد وتجتمع ، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت ، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله: لا تجلدوا الثيب ، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد ، واختلف في نفيه ، فقال الخلفاء الأربعة وابن