ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: {تلك حدود الله} وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها ، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق . وقوله: {ومن يطع الله} {ومن يعص الله} عام في هذه التكاليف وفي غيرها ، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص ، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور . وإنما قيل: {يدخله} و {خالدين} حملاً على لفظ"من"ومعناه . وانتصب {خالدين} و {خالداً} على الحال . ولا يجوز أن يكونا صفتين ل {جنات} و {ناراً} لأنهم جريا على غير من هماله ، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها . قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال ، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية ، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال . فإن المراد تعدّي أي حدّ كان ، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود ، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة ، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو . وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا . وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر . نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية ، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: {ومن يعص الله ورسوله} يفيد كونه فاعلاً للمعاصي .