فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة ، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه . والثاني المؤاخاة . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث . والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء . والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث بنت حمزة من مولى لها . ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام ، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية . قال صلى الله عليه وسلم:"أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه"وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً ، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه . وإنما بدأ سبحانه بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات ، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت . أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً ، أو إناث فقط ، أو ذكور فقط . أما الحالة الأولى فبيانها قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين} أي للذكر منهم ، فحذف الراجع لعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد . وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم . وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين ، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين . وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك ، ولأن الابتداء بما ينبئ عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبئ عن النقص ، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب ، فيقطعوا الطمع عن الزيادة .